وهبة الزحيلي
81
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ولا تحلّ المسألة إلا لثلاث حددهم النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « المسألة لا تحلّ إلا لذي فقر مدقع ، أو لذي غرم مفظع ، أو لذي دمّ موجع » « 1 » ، والفقر المدقع : هو الشديد ، وهو الذي يلصق صاحبه بالدقعاء : وهي الأرض التي لا نبات فيها ، والغرم : ما يلزم أداؤه تكلّفا ؛ لا في مقابلة عوض ، كالكفالة والنفقة لإصلاح ذات البين ونحوه من أعمال البرّ ، كدفع مظلمة وحفظ مصلحة ، والمفظع : الشديد ، فلمن تحمل ذلك أن يسأل الإعانة على سداد ما غرم ، وأما ذو الدّم الموجع : فهو الذي يتحمل الدّية عن الجاني من قريب أو نسيب أو صديق لئلا يقتل ، فيتوجع لقتله . والإلحاح في المسألة مع الغنى عنها حرام لا يحل ، أخرج مسلم عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من سأل الناس أموالهم تكثّرا ، فإنما يسأل جمرا ، فليستقلّ أو ليستكثر » ، وأخرج أيضا عن ابن عمر أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تزال المسألة بأحدكم ، حتى يلقى اللّه ، وليس في وجهه مزعة « 2 » لحم » ، وروى أحمد وأبو داود وابن حبان عن سهل ابن الحنظلية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من سأل وعنده ما يغنيه ، فإنما يستكثر من جمر جهنم ، قالوا : يا رسول اللّه ، وما يغنيه ؟ قال : ما يغديه أو يعشيه » . أما إذا كان السائل محتاجا فلا بأس أن يكرّر المسألة ثلاثا إعذارا وإنذارا ، والأفضل تركه . فإن كان المسؤول يعلم بذلك ، وهو قادر على ما سئله ، وجب عليه الإعطاء ، وإن كان جاهلا به ، فيعطيه مخافة أن يكون صادقا في سؤاله ،
--> ( 1 ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة من حديث أنس بن مالك رضي اللّه عنه . ( 2 ) المزعة : القطعة ، قال القاضي عياض : قيل : معناه يأتي يوم القيامة ذليلا ساقطا لا وجه له عند اللّه . وقيل : هو على ظاهره ، فيحشر ووجهه عظم لا لحم عليه ، عقوبة له ، حين سأل بوجهه .